الشيخ حسن المصطفوي
229
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فهذا القيد هو الفارق بينها وبين مادّة - الانصباب ، الإهراق وغيرها . وأمّا مفهوم الإسراع في المشي ، ودفق اللَّه الروح ، وتدفيق الكفّ الندى ، وسيل دفاق ، وغيرها : فبلحاظ الحركة المشبهة بالانصباب مع دفع ، فكأنّ الجريان والمشي والحركة ، انصباب بالدفع ، ولا بدّ أن يلاحظ هذا القيد في جميع المصاديق ، وليست تلك المفاهيم بإطلاقها بحقيقة وأمّا كلمة الدافق : فانّ صفة الدفق إذا كانت لازمة لشيء ، فكأنّ بعض اجزائه يدفق بعضا آخر ، فهو دافق في نفسه ، وليس لفظ الفاعل بمعنى المفعول ، وهذا التعبير للمبالغة والثبوت . * ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ) * - 86 / 7 - أي من نطفة تتكوّن من ماء منصب بالدفق من صلب الرجل وترائبه - راجع الترب . وفي التوصيف بالدفق وبالخروج من بين الصلب والترائب : إشارة إلى غاية خسّته وحقارته ، فانّ الاندفاع هو يعادل الطرد والردّ خلاف الثبوت والجريان الطبيعي ، والخروج من هذا المبدأ أيضا فيه دناءة واشمئزاز لقربه من داخل - البدن والمعدة وجهاز الهضم . هذا مبدأ خلقة الإنسان ومادّة تكوّنه ، وأمّا منتهى سيره في الدنيا فيصير إلى أن تبدّل جيفة منتنة تشمئزّ منها النفوس . فهو في ما بين الحالتين معجب بنفسه ومنحرف عن صراطه وغافل عمّا استعدّ له من اللحوق بالملإ الأعلى ، والسير إلى وراء عالم المادّة ، واستقراره في مقام القرب من الروحانيّين والملائكة واستيناسه مع الأبرار والمقربين وأوليائه المنتخبين .